|
مدينة غدامس إن مدينة غدامس تعد من المدن العريقة الواقعة في تخوم الصحراء الغربية لجماهيريتنا الحبيبة، لها تاريخٌ وحضارةٌ ،حيث قال عنها قائد الثورة (هذه الواحة تغرس جذور العروبة والإسلام في قلب الصحراء). تمتد نشأتها إلى عشرات القرون، في جوامعها برز علماءٌ أجلاءٌ ، وفي منازلها مكتباتٌ تحوى أمهات الكتب المخطوطة، وفي ميادينها برز قادةٌ عسكريون وسياسيون هزموا العدو الغادر سلاحاً وفكراً ، وحولها آثارٌ تكاد تنطق بماضيها التليد ، وفي عمارتها طبق مهندسو الخبرة تجاربهم العلمية الهندسية التي أبدعت أروع مثلٍ معماريٍ في صحرائنا، قاهرين بها أعداءهم البشريين قبل طبيعة الصحراء القاسية. إنها عديمس كما يذكرها أبناؤها وغدامس كما اشتهرت ، إنها المدينة التى اختار مكانها مهندسٌ بارعٌ ملمٌ بمواقع الصحراء .وما يسترعي الانتباه حول مرفولوجية المنطقة وجود المظاهر التضاريسية المميزة التى تحيط بالواحة والتى من بينها وعلى بعد كيلو متراتٍ جهة الغرب سبخةٌ أقيمت على جزءٍ منها قرية تونين (زاوية سيدى معبد) في حين تظهر قارة أو ما يبدو كتل رملية يبلغ ارتفاعها قرابة مائة متر غير بعيدٍ من مكان القرية ، أما جنوبى الواحة فيظهر ما يسمى بمنخفض كابو الذي تشكل جوانبه صخوراً جيريةً يميل لونها إلى الاحمرار في حين يوجد إلى الشرق منها تلان يشبه أقربهما إلى شكل المخروط الذي يعرف أحيانا باسم جبل الضباب ترجمةً لكلمة تاجوت أما التل الثاني الذي لا يبعد عن الأول سوى بضعة كيلو مترات فاكثر ارتفاعاً ويدعى بجبل أو قارة تسفين . هذه المدينة العريقة التي تعتبر أحد مناطق الاستقرار الصحراوية ، حظيت بأسماء وأوصاف لم تحظ بها مدينةٌ في الصحراء ، فقد ذكرت باسم مدينة الجلود والنحاس وعروس الصحراء ولؤلؤة الصحراء وزنبقة الصحراء وبوابة الصحراء والمؤتمنة على تراث الأمة ومعتقد الأمة وثقافة الأمة ، إن هذه الأسماء التى حظيت بها من قادة سياسيين وزعماء وطنيين لدلالةٌ كافيةٌ على أهميتها . ولاشك أن هذه المدينة لها قدم راسخةٌ في التاريخ ، ولم يغفل المؤرخون عن ذكرها ، فذكرها بليني المؤرخ الروماني المعروف في كتابه التاريخ الطبيعي ، حيث قال في الفقرة الخامسة من الكتاب الخامس (حيث أخضعنا قبيلة فزان ومدن آليلن وكليبا مثلما فعلنا مع كيداموس في اتجاه صبراتة). كما ذكرها بروكبليوس القيصري في كتابه العمائر ، الكتابان الرابع والخامس (ليبيا في عصر جستنيان) وفي حديثه عن طرابلس وغدامس يقول (وهنا توجد حدود طرابلس أو المدن الثلاثة كما تسمى ، ويسكنها المور الذين هم من أصلٍ فينيقي كما توجد هنا أيضاً مدينةٌ تسمى كيدامي ((غدامس)) وفيها يعيش المور الذين كانوا متسالمين مع الرومان منذ غابر الأزمان وقد كسب الإمبراطور جستنيان هؤلاء جميعاً واعتنقوا العقيدة النصرانية طوعاً). وقال أيضاً المؤرخ العربي الحسن الوزان ( ليو أفريكانوس ) في كتابه وصف أفريقيا ( هذه المنطقة الشاسعة ذات القلاع والقرى العديدة تقع إلى الجنوب من البحر الأبيض المتوسط بحوالي ثلاثمائة ميل ويدفع قاطنوها وهم أهل تمرٍ كثير وأنواعٍ أخرى من السلع يترحلون في بلاد الزنوج يدفعون الضرائب للأعراب على الرغم من أنهم كانوا في وقتٍ ما خاضعين لملك تونس وأمير طرابلس أما الحبوب و اللحوم فهي نادرةٌ هنا بشكلٍ مدهش ) وما قاله المؤرخون العرب المسلمين كثير ، فقد رافق أبناؤها ابن بطوطه في رحلته إلى كوكه ، وأفرد لها ياقوت الحموي في معجمه تعريفاً يليق بها والتفت إليها ابن خلدون في موضع من كتابه (العبر) كما ذكرها عبد البر الحميري في كتابه (الروض المعطار في أخبار الأقطار) وكذلك ابن دينار في (تاريخ أفريقيا) وحظيت بإلتفاتةٍ من ابن الشباط التوزري في شرحه على الشقراطيسية كما ذكر محمد بن عثمان الحشائشي معارفه من تجار غدامس. إنها متحف حضارة ليبيا العريقة وتراثها الأصيل ، بلاد العلم والفن ، بلاد الجلد والنحاس ، والتبر واللبان والعاج وريش النعام. من نقاط انطلاق الإسلام إلى دواخل أفريقيا عن طريق قوافلها التجارية المباركة ، التي كانت تحمل الخير كل الخير في ذهابها وإيابها. تلك المدينة القديمة العريقة المتكاملة المبنية بالمواد المحلية وذات الطراز المحلي في البناء والتي يندر وجود مثيلة لها في ربوع صحرائنا الكبرى ، يضمها في السابق سور دفاعي خارجي شبه دائري يضم المزارع والمنازل ، هدم أجزاء كبيرة منه الطليان مدعي التحضر والتمدن ولم يبقى منه الان سوى شيء بسيط ، ذلك السور كانت به بوابات مثلها باقي في بوابة الظهرة التي تعتبر مثالا لجمال بوابات مدن الصحراء لو أصينت بطريقة علمية صحيحة هي وما حولها من مباني تاريخية. يتربع على أرض هذه المدينة مصدر حياتها عين الفرس أو ((غسوف)) الذي يعتبر شريان الحياة لهذه المدينة ومنه يشرب أهلها ، ويسقون زرعهم وبه ضرب الغدامسي أروع مثلاً في النظام والدقة والحساب والتوثيق و الإبداع العلمي. فما ترى في مدينة فيها من المساجد القديمة 37 مسجدً استعمل بعضها كزوايا قرآنية بالإضافة إلى 11 زاوية قرآنية منها خمسة مساجد جمعة عامرة بإذن الله إلى يومنا هذا. مدينة أنجبت ذات يوم أحد أعمدة الدعوة الإسلامية الحديثة في ماليزيا المعروف بـأبي جابر عبدالله بن أحمد بن إبراهيم الغدامسي وغيرهم وغيرهم كثيرون في كل ميادين العلم والمعرفة كانت لهم صولات وجولات لنا أن نفخر بهم ولكن علينا أن نكون في مستوى المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقنا نحن شباب اليوم ، فإن كانت المدينة القديمة تنقصها الإمكانيات المادية الحديثة من عمارة عصرية وأدوات تكفل العيش العصري الحديث ففي المدينة الحديثة تتوفر كل تلك الإمكانات كما أن لنا ماض وتاريخ وثقافـة. اعترفت بها منظمة المدن العربية في عام 1980،وكذلك منظمة اليونسكو عام 1986،وأخيراً منظمة مدن التراث العالمى في عام 1999، تأهلنا لأن نتحمل مسؤولياتنا فلنستنر بالتاريخ فهو خير معين .
|
|
|
|