|
المخطوطات والوثائق إن مدينة غدامس التى تقع في الجنوب الغربي من صحرائنا الشاسعة ، والتى تتمتع برسوخ القدم في التمدن والحضارة ، كانت إلى جانب مساهمتها الفعالة في الإقتصاد الليبي بإعتبارها إحدى البوابات الرئيسية للصحراء الكبرى ، معبراً هاماً لتجارة القوافل عبر افريقيا الغربية والوسطى ، كما كانت أيضاً بوابة مفتوحة للتبشير بالإسلام ونشره في افريقيا وبهذا فهي منار مشع بالعلم في شمال افريقيا. وأول نتاج علمي سجل لها بعد الفتح الإسلامي كان في القرن الثاني الهجري ، وذلك برحيل أحد أبنائها مع ثلاثة أخرين من شمال افريقيا إلى البصرة للتتلمذ على شيوخها ، وبعد عودته ، فإلى جانب توليه القضاء كوّن مدرسة علمية اعتبرت من أنجح المدارس التى كونها زملاؤه. كما نجد لها في القرن الثالث الهجرى عالماً من أجلّ العلماء ، هو أبو الفضل العباس الصواف المتعبد الذي اعتبر أحد فقهاء القيروان المتوفي برباط المنستير سنة 309 هـ عن 96 سنة وهكذا استمر الإنبعاث الثقافي في غدامس ، الذي كان من نتيجته الحتمية تكوين عدة مدارس ومكتبات ساهمت بالقسط الوافر في هذا المجال ومن أقوى الدلائل على ثرائها العلمي المجموعة الكبيرة من المخطوطات التى كانت تزخر بها ، غير أن كثير منها عبث بها الزمان وتضافرت جهود غاشمة (الجهل والتفريط والتسلط الأجنبي) على إضاعة الكثير منها إلا أن هذا الثالوث لم يستطع الإتيان عليها جميعاً وذلك لكثرتها وانتشارها إذ قل أن تجد منزلاً بغدامس خالياً من مكتبة مخطوطة حتى لو كان حاضر أهله لاينسب للعلم لأن المخطوط يعتبر لديهم تراثا يتوارثه الإبن عن الأب والواجب يقتضي المحافظة عليه كما كانت مساجد الجمعة والزوايا القرآنية والصوفية زاخرة بالمخطوطات الدينية ولكنها لم تسلم هي الأخرى من العبث إذ لايوجد بها الآن سوى بعض المصاحف والقصائد النبوية.وبفضل انبعاث فجر اليقظة والوعي على جماهيريتنا من جديد شرعت جامعاتنا ومعاهدنا العلمية في لم شعت هذا التراث المبعثر وجمعه وتصويره.وقد عمل الأوائل ـ رحمهم الله تعالى لشدة اعتنائهم بالمخطوطات وتقديرهم لها ـ على تعليق (قفة) كبيرة يسمونها (الطورة) في إحدى زوايا كل مسجد جمعة وكل من رام التخلص من أية ورقة عادية أم مخطوطة فعوض حرقها أو رميها في القمامة يضعها في هذه القفة سواء أكان ذلك ورقة عادياً أم مخطوطاً وأكثر من يضع أوراقه في هذا المكتل ، الأرامل ومن لايعرفون معنى لقيمة المخطوط ، والغرض من هذا هو إباحة أخذها لمن يريدها أو تمهيداً لدفنها في حفظ الحرف الذي يكرهون حرقه أورميه في مزبلة كما قلنا ولم يهمل العمل بهذا إلا في السنين الأخيرة ومسجد عمران الفقيه بشارع جرسان هو آخر مسجد عرفت فيه هذه الطورة في الستينات من هذا القرن. ولا ننسى ما للغارة الجوية الفرنسية على غدامس في سنة 1943م من أثر سيء في تهديم الكثير من المنازل وضياع ما بها من المخطوطات والتراث.
إن لوجود ما لايقل عن 65 مؤسسة دينية وعلمية و اثني عشر كتابا لتحفيظ القرآن الكريم والمتون وحلقات الدروس بمساجد الجمعة الفضل الأكبر في الحفاظ على هذه الثروة الثقافية ، إذ أن مساجد الجمعة كالجامع العتيق وجامع يونس وجامع عمران الفقيه تعتبر إلى جانب وظيفتها الدينية التعبدية مدارس تؤدي وظيفتها على أحسن وجه ، والدراسة بجميع هذه الزوايا والمساجد مجانية إلا نزراً يسيراً قد يتقاضاه بعض معلمي الصبيان من ميسوري الحالة الاقتصادية ويتولى التدريس بهذه المساجد شيوخ متطوعون لوجه الله تعالى وهم يتوخون أوقات فراغ المواطنين لإلقاء دروسهم بعد صلاتي المغرب والعشاء وبعد العصر ومن شاء التزود بعلم أكثر فيرحل إلى أحد المعاهد العلمية كالأزهر أو الزيتونة أو غيرهما وبعد التخرج يعود ليقوم بنشر العلم سواء بغدامس أو غيرها. إن مدينة غدامس تحوي أكثر من ثلاثة آلاف مخطوط و الآلاف من الوثائق التجارية والإجتماعية والتاريخية كالرسائل التجارية المتبادلة بين التجار الموجودين في البلدان الأفريقية وغدامس إلى جانب دفاترهم التجارية وغيرها.
|